شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 27 أبريل 2026

حين يصبح قول الحقيقة “جريمة” في قاموس حماس: لماذا يهاجم الذباب الإلكتروني الإعلامي حميد قرمان

حين يصبح قول الحقيقة “جريمة” في قاموس حماس: لماذا يهاجم الذباب الإلكتروني الإعلامي حميد قرمان

في كل الأنظمة القمعية، تبدأ المعركة الحقيقية حين يخرج صوت حرّ من بين الركام، لا يصفق، لا يبرر، لا يختبئ خلف الشعارات، ولا يبيع دم الناس في سوق المزايدات السياسية. عندها فقط، تتحرك الجيوش الإلكترونية، وتُستنفَر المنصات المشبوهة، وتبدأ ماكينة التخوين في العمل بأقصى طاقتها. هذا تمامًا ما يحدث اليوم مع الإعلامي حميد قرمان، الذي وجد نفسه هدفًا لحملة منظمة من التحريض والتشويه تقودها منصات مشبوهة وكتائب إلكترونية تابعة لحركة حماس، فقط لأنه اختار أن يقول الحقيقة، وأن يقف إلى جانب الناس لا إلى جانب الجلاد.

الهجمة على حميد قرمان ليست حادثة عابرة، ولا خلافًا إعلاميًا عاديًا، بل هي نموذج فجّ لطبيعة العقلية التي تحكم ماكينة حماس الإعلامية؛ عقلية لا تؤمن بحرية رأي، ولا تتسامح مع نقد، ولا ترى في الإعلام إلا بوقًا للتطبيل، أو منصة للتحريض، أو أداة لتجميل القمع وتبرير الفشل. بالنسبة لهذه المنظومة، كل من يفضح الانتهاكات “خائن”، وكل من يرفض الصمت “عميل”، وكل من ينتصر للمظلومين “يسوق لرواية الاحتلال”. هكذا ببساطة، تُقلب الحقائق، ويُكافأ المجرم، ويُحاكم الشاهد.

ما الذي فعله حميد قرمان ليستحق كل هذا التحريض؟
هل حرّض على قتل الأبرياء؟ لا.
هل دعا إلى الفتنة؟ لا.
هل برّر جرائم الاحتلال؟ لا.
كل ما فعله الرجل أنه قال بصوت واضح إن أهل غزة لا يستحقون هذا الجحيم، وإن من حق الناس أن تسأل، وأن تنتقد، وأن ترفض القمع، وأن تفضح من صادر حياتها باسم “المقاومة” وحوّلها إلى رهينة سياسية وأمنية وإنسانية.

حميد قرمان لم يفعل أكثر من ممارسة الحد الأدنى من الشرف المهني. قال إن هناك شعبًا يُسحق بين احتلال مجرم وسلطة أمر واقع أكثر إجرامًا في تعاملها مع الناس. قال إن غزة لا تختنق فقط بالقصف، بل أيضًا بالخوف. لا تموت فقط تحت النار، بل أيضًا تحت القمع، والابتزاز، وتكميم الأفواه، وسلطة المليشيا التي نصبت نفسها وصيًا على دم الناس وأرزاقهم وأصواتهم.

وهنا تحديدًا بدأت المشكلة.
فحماس لا تخشى من يمدح الاحتلال، بل تخشى من يفضحها.
لا ترتبك من الرواية الصهيونية، بل ترتبك من شهادة ابن غزة حين يقول: “كفى”.
لا تنزعج من العدو بقدر انزعاجها من المرآة.

لهذا السبب، كان لا بد من تشغيل الذباب الإلكتروني.
كتائب كاملة من الحسابات الوهمية، والصفحات المأجورة، والمنصات السوداء التي لا وظيفة لها سوى التشهير، وبث السموم، وصناعة الأكاذيب، وتكرار نفس الخطاب الرخيص: “هذا يهاجم المقاومة”، “هذا يخدم الاحتلال”، “هذا يردد رواية العدو”. وهي الاتهامات الجاهزة نفسها التي تُطلق على كل صحفي حر، وكل ناشط شريف، وكل مواطن يرفض أن يتحول إلى عبد في مزرعة الخوف.

هذه ليست حملة ضد حميد قرمان كشخص، بل ضد نموذج إعلامي نادر: إعلامي لا يكتب بإملاء الفصيل، ولا يتلقى التعليمات من غرف الدعاية، ولا يبيع ضميره مقابل رضا التنظيم. وهذا وحده يكفي ليصبح خطرًا في نظر حماس، لأن أخطر ما يواجه الأنظمة المغلقة ليس السلاح، بل الكلمة الحرة.

حميد قرمان لم “يسوق لرواية الاحتلال” كما يزعمون، بل فعل ما عجزت عنه أبواقهم: قال إن الحقيقة لا تتجزأ، وإن من يقتل المدنيين مجرم، أيا كان اسمه، وإن من يقمع الناس خائن لهم، مهما رفع من شعارات. قال إن مقاومة الاحتلال لا تعني منح صك براءة لأي سلطة تقمع شعبها، وإن الدفاع عن غزة لا يكون بتقديس من أوصلها إلى هذا الخراب، بل بمحاسبة كل من تاجر بدمها وخطف صوتها وكمّم أفواهها.

وهنا بيت القصيد:
حماس لا تريد إعلامًا، بل تريد جهاز تعبئة.
لا تريد صحفيين، بل جنود دعاية.
لا تريد رأيًا، بل بيعة.
ولهذا فإن أي صوت مهني، مستقل، حر، يتحول تلقائيًا إلى “عدو” يجب تحطيمه.

لكن الحقيقة التي لا تريد حماس الاعتراف بها هي أن هذا الأسلوب لم يعد يُخيف أحدًا.
زمن التخوين الأعمى انتهى.
والناس باتت تعرف جيدًا من يبيع الوهم، ومن يدفع الثمن، ومن يتحدث من قلب المعاناة، ومن يتحدث من خلف الشاشات الممولة. لم يعد سهلًا تضليل الناس بتهمة “العمالة” كلما خرج صوت ينتقد، ولا بعبارة “خدمة الاحتلال” كلما انكشف قمع أو فساد أو استبداد.

لقد استُهلك هذا الخطاب حتى تعفّن.
صار مكشوفًا، مبتذلًا، رخيصًا، ولا يقنع إلا من كتبه.

حميد قرمان لم يسقط لأنه انتقد حماس، بل ارتفع.
ارتفع لأنه رفض أن يكون شاهد زور.
ارتفع لأنه لم يبع الحقيقة.
ارتفع لأنه فهم أن الإعلام ليس وظيفة لترديد البيانات، بل مسؤولية أخلاقية في وجه القتل والكذب والقمع.

والذين يهاجمونه اليوم لا يفعلون ذلك لأنهم يملكون الحجة، بل لأنهم فقدوها.
لا يملكون ردًا على الوقائع، فيلجأون إلى الشتيمة.
لا يملكون منطقًا، فيستدعون التخوين.
لا يملكون حقيقة، فيصنعون ضجيجًا.

لكن الضجيج لا يهزم الحقيقة.
والذباب الإلكتروني لا يصنع شرعية.
والمنصات المشبوهة لا تصنع رأيًا عامًا، بل تفضح من يديرها.

سيبقى حميد قرمان، وأمثاله من أصحاب الكلمة الحرة، أكثر شرفًا من كل هذه الجيوش الإلكترونية مجتمعة.
لأن الصحفي الحقيقي لا يُقاس بمدى رضى الفصيل عنه، بل بمدى وفائه للحقيقة.
ولأن من ينحاز للناس ليس خائنًا… بل آخر ما تبقى من الكرامة.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.