شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 28 أبريل 2026

من تبرعات الفقراء إلى شقة فاخرة: كيف تحوّل “العمل الخيري” إلى بوابة للثراء؟

من تبرعات الفقراء إلى شقة فاخرة: كيف تحوّل “العمل الخيري” إلى بوابة للثراء؟

بينما تُغرق جمعية البركة الناس بخطابات “الإغاثة” و”العمل الخيري” و”خدمة المحتاجين”، تكشف الوقائع على الأرض صورةً مختلفة تمامًا؛ صورة لا علاقة لها بالفقر ولا بالإغاثة ولا بالوجع اليومي الذي يعيشه الناس، بل تتعلق بنمطٍ مفضوح من الثراء السريع، وتضخم النفوذ، وتحويل العمل العام إلى بوابةٍ للنفوذ الشخصي وتكديس المكاسب.

ففي الوقت الذي تُرفع فيه الشعارات عن الصبر والتكافل وخدمة الفقراء، تظهر معلومات موثقة تفيد بأن شادي، المحسوب على جمعية البركة، أقدم قبل نحو شهر على شراء شقة فاخرة في عمارة أبو ظبي 5، الطابق الرابع، الشقة رقم 19، جهة غربي شمالي، عند دوار أبو مازن، بمساحة 240 مترًا، وبسعر بلغ 125 ألف دولار، وهي قيمة لا يمكن المرور عليها مرورًا عابرًا، لا بحجمها، ولا بتوقيتها، ولا بدلالاتها، خصوصًا أن الشقة سُجلت باسم شقيقه، في خطوة تفتح الباب واسعًا أمام الأسئلة، وتُغلقه أمام حسن النية.

هنا لا يعود السؤال: من أين اشترى؟ بل كيف؟ ومن أي باب دخل هذا المال؟ وكيف لرجل يدور في فلك العمل “الخيري” أن يقفز بهذه السرعة إلى تملك عقار بهذا الحجم وبهذا السعر، في وقت تُسحق فيه العائلات تحت ثقل الجوع، ويُترك المحتاجون تحت رحمة الانتظار والمهانة والوعود الفارغة؟

إن تسجيل الشقة باسم شقيقه ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو أخطر ما في القصة. لأن اللجوء إلى تسجيل الممتلكات بأسماء الأقارب ليس سلوكًا بريئًا، بل أسلوب معروف ومكشوف يُستخدم للهروب من المساءلة، وتفادي الملاحقة، وإخفاء مصادر الثروة، وخلط المال الشخصي بالمال العام، في محاولة بائسة لستر ما لا يمكن ستره. وحين تبدأ الأملاك بالظهور بأسماء الإخوة والأقارب، فاعلم أن الرائحة لم تعد تحتمل التأويل.

أي عمل خيري هذا الذي يُنتج شققًا فاخرة بدل أن يُنتج كرامة للناس؟ أي “بركة” هذه التي تُثمر عقارات فارهة عند دوار أبو مازن، بينما آلاف العائلات لا تجد ما يسد رمقها؟ وأي صدقة تلك التي تصعد إلى الطابق الرابع في عمارة فخمة، بدل أن تنزل إلى البيوت المهدمة، والبطون الخاوية، والمرضى المنسيين؟

القضية لم تعد مجرد شبهة، بل صارت قرينة سياسية وأخلاقية ومالية على انحراف خطير في مفهوم العمل الخيري، وتحويله من رسالة إنسانية إلى غطاء اجتماعي لتبييض النفوذ وتضخيم الثروة. فحين يتحول “الفاعل الخيري” إلى مالك عقارات، وحين تتحول التبرعات إلى نفوذ، وحين يصبح الفقراء مجرد ديكور في خطابات الجمعيات، فاعلم أن الفساد لم يعد استثناءً، بل أصبح هو القاعدة.

الأخطر من شراء الشقة ليس ثمنها، بل ما تمثله. فهي ليست مجرد أربعة جدران، بل عنوانٌ كامل لمرحلة من الاستغلال المقنّع، والفساد المتدثر بالخير، والتجارة بوجع الناس تحت يافطة الإحسان. شقة بمساحة 240 مترًا لا تُشترى فقط بالمال، بل تُشترى أيضًا بالنفوذ، بالصمت، بالعلاقات، وبالقدرة على تحويل “العمل العام” إلى ملكية خاصة.

الناس من حقها أن تسأل، بل من واجبها أن تسأل: من أين جاءت الـ125 ألف دولار؟ ما هو مصدرها؟ هل تتناسب هذه الصفقة مع الدخل الحقيقي؟ ولماذا سُجلت باسم الأخ؟ ومن يحاسب؟ ومن يراجع؟ ومن يفتح هذا الملف قبل أن تتحول الجمعيات إلى شركات عقارية مغلقة تُدار باسم الفقراء وتُبنى فوق ظهورهم؟

الصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة. والسكوت عن تضخم الثروات داخل عباءة العمل الخيري ليس تغاضيًا، بل تواطؤ. ومن يظن أن تسجيل الشقة باسم شقيقه يكفي لطمس الحقيقة، فهو لا يُخفيها… بل يؤكدها.

العمل الخيري ليس طريقًا إلى العمارات الفاخرة. ولقمة الفقير ليست بندًا في صفقة عقارية. ومن يتاجر بوجع الناس، ثم يشتري من عرقهم شقةً فاخرة، لا يسقط أخلاقيًا فقط… بل يسقط وطنيًا وإنسانيًا، ويستحق أن يُفتح ملفه كاملًا، من باب التبرعات حتى باب الشقة رقم 19.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.