شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 3 مايو 2026

في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. صحفيو غزة بين قمع حماس وإرهاب الذباب الإلكتروني

في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. صحفيو غزة بين قمع حماس وإرهاب الذباب الإلكتروني

في الثالث من مايو/أيار من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، بوصفه مناسبة دولية لتجديد الالتزام بحق الصحفيين في العمل بحرية، وحماية الكلمة الحرة من القمع، وصون الحقيقة من التزييف. لكن في قطاع غزة، تمر هذه الذكرى مثقلة بواقع قاتم، حيث تحولت حرية الصحافة، على مدار سنوات، إلى هدف مباشر للقمع والملاحقة والتشويه، في ظل منظومة أمنية وإعلامية فرضتها حركة حماس بالقوة، وجعلت من الصحفي المستقل خصماً يجب إسكات صوته، لا شريكاً في نقل الحقيقة.

في غزة، لم تكن حرية الصحافة يوماً حقاً مكفولاً كما تروج الآلة الدعائية لحماس، بل ظلت رهينة حسابات السلطة، ومزاج الأجهزة الأمنية، وخطوط النفوذ التي لا تسمح بمرور رواية لا تخدم خطاب الحركة ومصالحها السياسية. فمنذ سنوات، يتعرض الصحفيون في قطاع غزة لانتهاكات متكررة، تبدأ من الاستدعاءات الأمنية والتهديد المباشر، ولا تنتهي عند المنع من التغطية، والاعتقال التعسفي، والملاحقة، والابتزاز، ومصادرة الحق في التعبير الحر.

لقد أسست حماس، منذ سيطرتها على قطاع غزة، بيئة عدائية تجاه الصحافة الحرة، تقوم على قاعدة واحدة: إما صحافة تردد خطاب الحركة وتعمل كذراع دعائي لها، أو صحافة تُستهدف وتُعاقب وتُتهم بالخيانة. بهذا المنطق، جرى تجريف المساحة الإعلامية المستقلة في غزة، وتحويلها إلى ساحة خاضعة للترهيب المنظم، حيث لا مكان لصوت مهني حر، ولا مجال لرواية لا تمر عبر مرشحات الولاء والانتماء.

ولم تكتفِ الحركة بأدوات القمع التقليدية، بل طورت خلال السنوات الماضية نموذجاً أكثر خبثاً وخطورة، تمثل في توظيف ما يعرف بـ”لجان الذباب الإلكتروني”، وهي مجموعات منظمة تعمل بصورة ممنهجة على استهداف الصحفيين والنشطاء والإعلاميين عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال حملات تحريض وتشويه واغتيال معنوي، تُدار بعقلية أمنية، وتُنفذ بأدوات رقمية قذرة.

هذه اللجان لم تكن مجرد مجموعات عشوائية من المناصرين المتحمسين، بل تحولت إلى أذرع منظمة للقمع الإلكتروني، تمارس الإرهاب المعنوي بحق كل صحفي يخرج عن النص المفروض. تُفبرك الاتهامات، تُختلق القصص، تُشوه السمعة، وتُطلق حملات التخوين والاتهام بالعمالة والفساد والانحلال الأخلاقي، دون أي دليل، فقط لأن صحفياً قرر أن يقول الحقيقة، أو أن ينتقد سلوك الحركة، أو أن يرفض الاصطفاف خلف دعايتها.

في غزة، أصبح الصحفي مهدداً مرتين: مرة من الاحتلال الذي يستهدفه بالنار، ومرة من سلطة الأمر الواقع التي تستهدفه بالتخوين والترهيب وكسر السمعة. وهذه المعادلة القاسية جعلت من العمل الصحفي في القطاع مهمة محفوفة بالخطر من كل الجهات، حيث يواجه الصحفي حصاراً مزدوجاً: رصاصاً من الخارج، وقمعاً من الداخل.

والأخطر من ذلك أن حماس لم تكتفِ بإسكات الأصوات المعارضة، بل عملت على تصنيع مشهد إعلامي مشوه، تُكافأ فيه الأبواق، وتُمنح فيه المنصات للمصفقين، بينما يُقصى الصحفيون المهنيون ويُحاصر المستقلون ويُعاقب كل من يحاول ممارسة الحد الأدنى من المهنية. وهكذا، لم تعد المعركة في غزة فقط على نقل الخبر، بل على الحق في وجود صحافة أصلاً.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يكفي الحديث عن انتهاكات الاحتلال بحق الصحفيين، على فداحتها ووضوحها، دون التوقف أيضاً عند الانتهاكات الداخلية التي مارستها حماس بحق الصحافة في غزة. فحرية الصحافة لا تتجزأ، ومن يدّعي الدفاع عن الحقيقة لا يمكنه أن يقمعها حين تقترب منه، ومن يرفع شعار المقاومة لا يملك الحق في مصادرة الكلمة الحرة، أو تحويل الصحفي إلى تابع أو ضحية.

إن الدفاع عن حرية الصحافة في غزة يبدأ من كسر هذا القمع المركب، وفضح كل أدوات الترهيب، ومواجهة حملات التشويه المنظمة، وحماية حق الصحفي في أن يكتب وينتقد ويكشف دون خوف من سجان داخلي أو محرض إلكتروني. فالكلمة الحرة ليست ترفاً، والصحافة ليست جريمة، والحقيقة لا يجب أن تُعاقب.

في الثالث من مايو، تبدو المناسبة في غزة أقرب إلى جرس إنذار منها إلى احتفال. فحرية الصحافة هناك لا تزال مختطفة، والصحفي لا يزال محاصراً، والحقيقة لا تزال تدفع الثمن. وبينما يحتفل العالم بحرية الكلمة، لا يزال كثير من صحفيي غزة يدفعون ثمن قولها.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.