في مدينة أنهكها الركام، وأثقلها الجوع، وفتكت بها الحرب والإهمال، لم يعد الخطر في غزة قادمًا فقط من السماء، ولا من الحصار، ولا من المجاعة التي تنهش أجساد الناس ببطء، بل صار الخطر يزحف أيضًا من تحت الأنقاض، ومن بين أكوام القمامة، ومن مجاري الصرف المكشوفة، على هيئة جرذان تتكاثر في الشوارع، وتقتحم البيوت، وتنهش ما تبقى من طعام الفقراء، وتنقل الأمراض إلى أطفال القطاع المنهكين. في هذا المشهد الكارثي، كان يفترض أن تتحرك الجهات المعنية، وأن تستنفر المؤسسات المختصة، وأن تُطلق حملات صحية عاجلة لمواجهة كارثة بيئية تتضخم كل يوم. لكن في غزة التي تحكمها حماس، لا أحد يتحرك إلا إذا كان في الحركة مكسب سياسي، ولا أحد يعمل إلا إذا كان العمل يخدم صورة السلطة أو يمر عبر بوابتها الأمنية.
وسط هذا الانهيار، خرج الصحفي الفلسطيني عبد الحميد عبد العاطي، ابن غزة، بمبادرة فردية بسيطة في فكرتها، عظيمة في ضرورتها، شجاعة في توقيتها، فأطلق حملة لمكافحة ظاهرة الجرذان التي باتت تهدد حياة الناس وصحتهم في القطاع. لم ينتظر تمويلاً، ولم يبحث عن رعاية حزبية، ولم يرفع شعارًا فصائليًا، بل فعل ما كان يفترض أن تفعله بلديات غزة ووزاراتها ومؤسساتها الصحية منذ شهور: قرر أن يتحرك، وأن يواجه خطرًا حقيقيًا يهدد الناس، وأن يطرق باب الأزمة المهمل بدلًا من التفرج عليها.
لكن المأساة في غزة لم تعد فقط في الكارثة، بل في رد الفعل على من يحاول مواجهتها. فما إن انطلقت الحملة، حتى انطلقت في المقابل حملة أخرى أكثر قذارة، لا تستهدف الجرذان هذه المرة، بل تستهدف من قرر محاربتها. فجأة، تحركت مواقع محسوبة على حماس، واشتغلت كتائب الذباب الإلكتروني، وبدأت ماكينة التشويه المعهودة في العمل: سخرية، تشكيك، تهكم، تحريض، تخوين مبطن، وتسفيه لكل جهد لا يحمل ختم الولاء، ولا ينحني لمزاج السلطة.
المفارقة الفاضحة أن الذين لم يحركوا ساكنًا أمام تمدد الجرذان، تحركوا بكل طاقتهم لمهاجمة من قرر أن يفعل شيئًا. الذين صمتوا على القمامة، وعلى التلوث، وعلى انهيار البنية الصحية، وعلى تحوّل غزة إلى بيئة مفتوحة للأوبئة، لم يصمتوا دقيقة أمام مبادرة فردية قررت أن تضع إصبعها على الجرح. وهنا لا يعود السؤال: لماذا هاجموا الحملة؟ بل يصبح السؤال الأوضح: لماذا يخشون أي فعل لا يمر عبرهم؟
الإجابة باتت معروفة في غزة أكثر من أي وقت مضى: لأن حماس لا تريد حلولًا لا تُنسب إليها، ولا مبادرات لا تخرج من تحت عباءتها، ولا نجاحًا لا يمكن مصادرته، ولا جهدًا مدنيًا مستقلًا يثبت للناس أن المجتمع ما زال قادرًا على الفعل بعيدًا عن وصاية السلطة. في منطق الهيمنة الذي تديره الحركة، ليست المشكلة في الجرذان التي تجتاح الأحياء، بل في الشخص الذي قرر أن يواجهها دون إذن سياسي. ليست المشكلة في المرض، بل في استقلالية العلاج. ليست المشكلة في العجز، بل في أن يفضحه أحد بالفعل.
هذا هو جوهر الأزمة في غزة: سلطة لا تريد أن تعمل، لكنها ترتعب من كل من يعمل. سلطة تتقن الحصار الداخلي أكثر مما تتقن إدارة الكارثة. سلطة اعتادت أن تقتل الفكرة لا لأنها خاطئة، بل لأنها حرة. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول مبادرة صحية وإنسانية بديهية إلى هدف لحملات التشويه، فقط لأن صاحبها لم ينتظر مباركة الأجهزة، ولم يطلب تصريحًا من أبواق الدعاية، ولم يربط فعله الإنساني بحسابات النفوذ والولاء.
إن الهجوم على عبد الحميد عبد العاطي لا يمكن قراءته كخلاف عابر، ولا كمناكفة إعلامية، بل هو نموذج فجّ لطريقة إدارة غزة: معاقبة المبادرة، وتخوين المستقل، ومحاصرة كل فعل مدني لا يخضع لسلطة التنظيم. إنها العقلية ذاتها التي عطلت المجتمع، وأخضعت المؤسسات، وجرّفت الحياة العامة، ثم جلست فوق الخراب تسأل الناس عن أسباب الانهيار.
الجرذان في غزة ليست مجرد آفة صحية، بل صورة رمزية أيضًا. هي نتيجة مباشرة لسنوات من الفشل، والإهمال، وغياب الإدارة، وتآكل المسؤولية. وحين يخرج مواطن، صحفي، أو ناشط، ليحاول مواجهة هذا الانحدار بما يستطيع، فإن الحد الأدنى من الواجب هو دعمه، أو على الأقل الصمت إن عجز الآخرون عن المساندة. أما أن تتحول الجهود الفردية إلى هدف للاغتيال المعنوي، فذلك لا يكشف فقط عن قسوة سياسية، بل عن بنية مأزومة ترى في كل مبادرة مستقلة تهديدًا يجب كسره.
عبد الحميد عبد العاطي لم يفضح أحدًا بخطاب، بل فضحهم بالفعل. لم يحتج إلى بيان سياسي، ولا إلى منبر صاخب، يكفي أنه تحرك في مساحة تجلس فيها السلطة متفرجة. وهذا تحديدًا ما لا يُغتفر في غزة اليوم: أن تفعل، بينما الآخرون يكتفون بإدارة العجز وتسويق الفشل.
ما يحدث اليوم ليس مجرد هجوم على حملة لمكافحة الجرذان، بل هجوم على فكرة أن المجتمع يمكن أن ينهض رغم الخراب، وأن الناس يمكن أن يفعلوا شيئًا خارج منظومة الشلل، وأن غزة لا تزال قادرة على إنتاج مبادرات حية رغم كل ما فُرض عليها من موت سياسي وإداري. ولهذا تحديدًا يُحارب عبد الحميد عبد العاطي، لا لأنه أخطأ، بل لأنه تجرأ على الفعل في زمن الشلل، وعلى العمل في زمن المزايدة، وعلى خدمة الناس في وقت انشغل فيه تجار الشعارات بحراسة الخراب.
في غزة اليوم، لم تعد المشكلة فقط في الجرذان التي تعبث بالأحياء، بل في أولئك الذين اعتادوا التعايش مع القذارة، ثم غضبوا لأن أحدهم قرر تنظيفها.