شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 4 مايو 2026

اختطاف الوجاهة الوطنية في خانيونس: حين تتحول الخلافات إلى أداة كسرٍ اجتماعي وتصفية حسابات

اختطاف الوجاهة الوطنية في خانيونس: حين تتحول الخلافات إلى أداة كسرٍ اجتماعي وتصفية حسابات

في اللحظة التي ينهار فيها المجتمع تحت ثقل الحرب، ويترنح الناس بين الفقد والجوع والخوف، يصبح الحفاظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي واجبًا وطنيًا لا يقل أهمية عن حماية الأرض نفسها. لكن ما جرى في خانيونس من اختطاف المختار والوجيه المعروف جمال علي جرغون، لا يمكن قراءته باعتباره حادثًا عابرًا أو خلافًا شخصيًا أو حتى نزاعًا ماليًا محدودًا، بل هو واقعة خطيرة تكشف حجم الانحدار الذي وصلت إليه بعض القوى المتنفذة حين قررت أن تستبدل منطق الدولة بمنطق الإخضاع، ومنطق القانون بمنطق القوة، ومنطق الحكمة بمنطق الترهيب.

اختطاف رجل بحجم جمال علي جرغون ليس مجرد اعتداء على شخصه، بل اعتداء على رمزية اجتماعية ووطنية تمثل تاريخًا من الحضور الأهلي والإصلاح المجتمعي والدور الوطني المتجذر في الوعي الجمعي. فحين يُستهدف رجل بهذه المكانة، فإن الرسالة لا تُوجَّه إليه وحده، بل إلى كل من لا يزال يعتقد أن للكلمة وزنًا، وأن للوجاهة حرمة، وأن للمخاتير مكانة لا يجوز المساس بها مهما بلغت حدة الخلافات.

ما حدث ليس سوى امتداد مباشر لحالة الفوضى التي جرى تكريسها عمدًا، حيث باتت الخلافات تُدار خارج الأطر القانونية، وتُلبس لبوسًا سياسيًا حين يلزم، ولبوسًا عشائريًا حين يخدم ذلك الغرض، ولبوسًا وطنيًا حين يراد بها إرهاب المجتمع وإسكات كل صوت يرفض الانصياع. هذه ليست إدارة خلافات، بل إدارة خراب. وهذا ليس سلوكًا مسؤولًا، بل انزلاق خطير نحو تفكيك ما تبقى من المجتمع من داخله.

الأخطر في هذه الواقعة ليس فقط احتجاز رجل وازن من رموز العائلات، بل محاولة قسر العائلة على توقيع رواية مفبركة، تُحوِّل أصل القضية من خلاف مالي إلى خلاف وطني، ومن نزاع قابل للحل إلى ملف تخوين واتهام وابتزاز سياسي. هنا تحديدًا تتجلى الجريمة بأوضح صورها: لم يعد المطلوب حل الخلاف، بل توظيفه. لم يعد المطلوب إنصاف الأطراف، بل تطويع المجتمع. لم يعد الهدف الوصول إلى حق، بل صناعة خصم جديد يُستباح تحت لافتة “الوطن” و”الدين”.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من الذي أعطى أي جهة الحق في احتكار الوطنية؟ ومن الذي منحها سلطة توزيع صكوك الانتماء والخيانة؟ ومن الذي قرر أن كل خلاف يمكن تحويله إلى معركة تخوين، وكل اعتراض إلى تهمة، وكل صوت عاقل إلى مشروع استهداف؟

إن أخطر ما يواجهه المجتمع الفلسطيني اليوم ليس فقط العدوان الخارجي، بل هذا الانحدار الداخلي الذي يجعل البندقية تُدار إلى الصدور من الداخل، ويحوّل الخلافات المدنية إلى ساحات تصفية سياسية، ويجعل من بعض أصحاب النفوذ قضاة وجلادين في آنٍ واحد. وما جرى مع المختار جمال جرغون ليس استثناءً، بل نموذج صارخ لهذا الانفلات الذي يتغذى على غياب المحاسبة، ويتمدّد تحت غطاء الشعارات الكبيرة.

لقد قال الرجل كلمة يفترض أن تُكتب بماء الحكمة لا بحبر التحريض: إن المرحلة القادمة هي مرحلة تغليب الحكمة على العاطفة، والعقل على الطيش. وهي كلمات لم تُغضب إلا من اعتادوا الاستثمار في الفوضى، والارتزاق من الانقسام، وإدارة المجتمع بمنطق الانفعال لا بمنطق المصلحة العامة. فالكلمة التي تدعو للعقل تُرعب أصحاب الطيش، والدعوة للحكمة تُفزع تجار الفوضى، والصوت الذي يقدّم الوطن على الحزب يصبح هدفًا مباشرًا لكل من اعتاد اختزال الوطن في جماعته، والناس في أتباعه.

إن ما يجري في خانيونس اليوم يتجاوز حدود حادثة احتجاز، إلى معركة على طبيعة المجتمع نفسه: هل يبقى مجتمعًا تُدار خلافاته بالعقل والحكماء والوجهاء، أم يتحول إلى مساحة مفتوحة للابتزاز السياسي، وكسر الإرادات، وتطويع العائلات، وتصفية الحسابات تحت لافتات زائفة؟

إن مسؤولية وقف هذا الانحدار لا تقع فقط على عائلة جرغون، ولا على الدائرة الضيقة من المتضررين، بل على كل عقلاء خانيونس، وكل وجهائها، وكل من تبقى لديه حس وطني يرى أن إهانة الوجاهة الاجتماعية هي إهانة للمجتمع كله، وأن كسر المختار هو مقدمة لكسر الناس، وأن الصمت على هذا النهج ليس حيادًا، بل تواطؤ صريح مع منطق الفوضى.

إن أهل الشرقية، بما لهم من تاريخ وحضور ووزن اجتماعي ووطني، أمام اختبار أخلاقي لا يحتمل المواربة. فالصمت هنا ليس حكمة، والتردد ليس تعقلًا، والوقوف في المنطقة الرمادية ليس حيادًا، بل سماحٌ باستمرار العبث، وتكريسٌ لنهجٍ لا يبقي لأحد كرامة إذا ما استمر وتغوّل.

إن المجتمع الذي يسمح بتسييس خلافاته المدنية، وتحويل نزاعاته المالية إلى ملفات تخوين، وإقحام وجهائه في معارك كسر إرادة، هو مجتمع يُدفع عمدًا إلى التفكك. وحين تسقط هيبة الوجهاء، ويُهان المخاتير، وتُصادر الكلمة الحرة، لا يبقى في الميدان سوى الغلبة لمن يملك الصوت الأعلى والسلاح الأثقل، لا الحق ولا الحكمة.

وما بين وطن يُراد له أن يُبنى بالحكمة، وواقع يُراد له أن يُدار بالبلطجة السياسية، تبقى الكلمة الفصل لأهل العقل: إما أن ينتصروا للمجتمع، أو يتركوه فريسة لمن لا يرون في الوطن إلا غنيمة، وفي الناس إلا أدوات، وفي الخلاف إلا فرصة جديدة للهيمنة.

وفي ختام هذا الموقف، نورد نص البيان كما صدر:


بسم الله الرحمن الرحيم

أهلنا وأخواننا وأحبتنا أبناء هذا الوطن العظيم،
بانجازاته وليس بأشخاصه، بأفعالهم الثابتة الراسخة لمصلحة الأرض وأهلها، وليس بكلمات هنا وهناك، عبر أبواق الفتن، أو عبر محاولة تغير المواقف الواقعة الثابتة، كما رأيناها جميعاً،
بكتانةٍ ورقية رسم عليها حبر الكذب وتزييف الحقائق،

إن إختطاف رمز عائلة جرغون ومختارها جمال علي جرغون،
أدامه الله في حفظه ورعايته وسدد خطاه إلى الحق،
وكما قال في كلماته التي أوقعت عليهم نار الغيظ والكبد،
إن المرحلة القادمة مرحلة تغليب الحكمة علي العاطفة،
والعقل علي الطيش،

كلمات لو فقه السامعون معناها انضموا تحت رايتها رافعين مصلحة الوطن والأهل عالياً، إننا اليوم نقف أمام العزة بالإثم،
ومحاولة لخلط الأوراق، إن إقحام رمز العائلة في خلافات مالية أصلها وفروعها، ومحاولة إجبار العائلة علي التوقيع بأن هذا خلافٌ
وطني وإجرامٌ عشائري، فإنه مرفوض جملةً وتفصيلاً، وإذا كان هذا المنهاج الواقع أمره، فلن نكون صغائر قومٍ، والأرضُ تعرفُ أهلها،

اليوم نناشد أهل العقل والحكمة والوطنيين من أهلنا،
الذين لن تفرق بيننا وبينهم ورقة أو أحبارهم،

وجهاء وحكماء وعقلاء خانيونس،
أحبتنا أهل الشرقية من تقاسمنا وإياهم الصبر والمر من أجل الوطن والمواطن،
نناشدكم اليوم الوقوف أمام واجباتكم الوطنية إزاء ما تمارسه بعض الشخصيات الموجودة اليوم علي راس واقع الأرض،
والتي هي من أبناء الشرقية كما نعلم جميعاً،

إن إستمرار إحتجاز رمز العائلة بقرار أبناءكم، ومحاولة تسيس تلك الخلافات وزجها إلي التخوين والعمالة، إنما هو إصرار منهم أن تدار وجهة البندقية إلي داخلنا وصدورنا جميعاً،
كلنا أمل أن تجد هذه الكلمات سامعاً حكيماً، يقرأ الواقع المرير بعقل سليم، يتقدم بخطوة ثابتة إلى مصلحة الوطن والمواطن،
ولا يتشبث بعنصرية الحزب أو غيره،

لا للتخوين باسم الوطن والدين،
الدين لله، الوطن للجميع.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.