في كل مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية، تظهر أدوات جديدة للحروب السياسية والإعلامية، لكن أخطرها اليوم لم تعد الدبابات ولا الصواريخ فقط، بل حملات التضليل المنظمة التي تُدار عبر منصات مشبوهة ولجان إلكترونية هدفها ضرب الثقة بالمؤسسات الوطنية الفلسطينية، وتشويه أي جهة تحاول فرض القانون أو حماية المال العام. وفي هذا السياق، تتعرض هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية لحملة ممنهجة تقودها حسابات وصفحات مرتبطة بخطاب التحريض والفوضى، عبر اتهامات مفبركة وشائعات يتم ضخها بشكل يومي على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذه الحملات لا تأتي من فراغ، بل تنسجم مع سياسة الفوضى الإعلامية التي تعتمد على تكرار الأكاذيب حتى تتحول في نظر البعض إلى “حقائق”، رغم غياب أي دليل قانوني أو قضائي يدعم تلك الادعاءات. وتُظهر دراسات متخصصة حول التضليل الرقمي أن الجيوش الإلكترونية تعتمد على الحسابات الوهمية والتلاعب بالمحتوى لتوجيه الرأي العام وصناعة حالة من الشك والفوضى داخل المجتمعات.
إن استهداف هيئة مكافحة الفساد ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل محاولة لضرب واحدة من أهم المؤسسات الرقابية الفلسطينية التي أُنشئت لحماية النزاهة وملاحقة الفساد داخل المؤسسات العامة. وتؤكد المعلومات الرسمية أن الهيئة تعمل وفق قانون خاص واستقلالية إدارية ومالية، وتتابع ملفات وإحالات قضائية ضمن صلاحيات قانونية واضحة.
المفارقة أن بعض الجهات التي تهاجم الهيئة ليل نهار، هي ذاتها التي لا تحتمل وجود أي مؤسسة رقابية مستقلة، لأنها تدرك أن بقاء الفوضى وغياب المحاسبة يخدم أجنداتها السياسية والتنظيمية. لذلك يتم اللجوء إلى أسلوب “الاغتيال المعنوي”، عبر نشر منشورات مجهولة المصدر، وفبركة تصريحات، واقتطاع مقاطع فيديو خارج سياقها، وتحويل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة تحريض مفتوحة.
وقد شهد الفضاء الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة تصاعداً واضحاً في حملات التضليل الرقمي والاستهداف المنظم للشخصيات والمؤسسات العامة، ما دفع جهات فلسطينية لإطلاق مبادرات خاصة بالتدقيق المعلوماتي والحقوق الرقمية لمواجهة الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية الإلكتروني.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط الأكاذيب نفسها، بل محاولة زرع اليأس وفقدان الثقة داخل المجتمع الفلسطيني. فعندما تُستهدف المؤسسات الرقابية والقانونية بشكل دائم، يصبح الهدف الحقيقي هو إقناع المواطن بأن لا جدوى من القانون ولا قيمة للمحاسبة، وأن الفوضى هي البديل الوحيد. وهذه بالضبط البيئة التي تزدهر فيها التنظيمات التي تتغذى على الانقسام والتحريض.
كما أن الذباب الإلكتروني لا يعمل بعشوائية، بل وفق تكتيكات معروفة تعتمد على الحسابات الوهمية، والتفاعل المصطنع، وإعادة تدوير الإشاعات عبر مئات الصفحات في وقت متزامن لإعطاء انطباع زائف بوجود “رأي عام غاضب”. وقد وثقت تقارير وأبحاث دولية كيف تُستخدم هذه الأساليب للتأثير على المجتمعات وصناعة الاستقطاب السياسي الحاد.
وفي مقابل هذه الفوضى الرقمية، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن بناء مشروع وطني فلسطيني قوي دون مؤسسات رقابية مستقلة، ولا يمكن حماية المال العام دون أجهزة قادرة على المحاسبة والمتابعة القانونية. ومن هنا فإن الدفاع عن هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية لا يعني الدفاع عن أشخاص، بل الدفاع عن فكرة الدولة والنظام والقانون في مواجهة ثقافة الفوضى والتشويه والتحريض.
إن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل أيضاً على الوعي الفلسطيني. وهناك من يريد تحويل وسائل التواصل إلى محاكم ميدانية تصدر الأحكام بلا أدلة، وتشوّه السمعة بلا حقائق، وتغتال المؤسسات معنوياً لخدمة مشاريع الانقسام. لكن الشعوب التي تدرك خطورة التضليل قادرة دائماً على التمييز بين النقد المسؤول وبين حملات التحريض السوداء التي تُدار من خلف الشاشات.
وفي النهاية، فإن أي مؤسسة وطنية يجب أن تبقى خاضعة للنقد والمساءلة القانونية والمهنية، لكن الفرق كبير بين النقد الموضوعي وبين حملات التشويه المنظمة التي تُبنى على الفبركة والتضليل. فحين تتحول الأكاذيب إلى سلاح سياسي، يصبح الدفاع عن الحقيقة واجباً وطنياً لا يقل أهمية عن أي مواجهة أخرى.