في واحدة من أكثر الصور إيلامًا وقسوة، تتكشف ممارسات خطيرة تُنسب إلى جمعية “دار السبيل”، التي يُفترض بها أن تكون ملاذًا إنسانيًا للأيتام والأرامل، لا سيفًا مسلطًا على رقابهم. فبدل أن تكون الكفالة بابًا للرحمة، تحولت – وفق ما يُتداول – إلى أداة استغلال، تُفرغ العمل الخيري من مضمونه، وتحوّله إلى تجارة على حساب الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.
القضية ليست مجرد خلل إداري عابر، بل نمط مقلق من السلوك، يبدأ من استبدال الكفالات النقدية أو العينية الحقيقية بـ”قسائم شرائية” لا تعكس قيمتها الفعلية، وتنتهي بإجبار الأرامل على الشراء من محال محددة بأسعار مبالغ فيها وجودة متدنية. أي أننا أمام منظومة مغلقة تُفرض فيها الخيارات على المستفيدين قسرًا، في انتهاك واضح لأبسط معايير الكرامة الإنسانية والشفافية.
الأخطر في هذه الممارسات هو ما يُثار حول وجود تفاهمات أو صفقات مع بعض التجار، مثل أحد المحال في شارع الثورة، حيث يتم – بحسب الشهادات – رفع الأسعار بشكل مضاعف، وتفريغ الأرفف من السلع الجيدة، ما يضع الأرملة أمام خيارين كلاهما مُرّ: إما شراء ما لا تحتاجه، أو القبول ببضائع رديئة لا تليق بحياة كريمة. هنا، لا نتحدث عن مساعدة، بل عن إذلال ممنهج.
هذه السياسات لا تُعد فقط إخلالًا بالأمانة، بل تقترب من كونها تعديًا صريحًا على حقوق الأيتام، الذين خُصصت لهم أموال الزكاة والتبرعات من أجل تحسين حياتهم، لا لتكون مادة للربح غير المشروع. فكل ليرة أو دولار يُقتطع من حق يتيم أو أرملة هو جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.
ما يضاعف من خطورة المشهد هو غياب الرقابة الفعالة. أين الجهات المسؤولة عن متابعة عمل الجمعيات الخيرية؟ أين التدقيق المالي؟ وأين آليات الشكاوى التي تتيح للمستفيدين التعبير عن معاناتهم دون خوف من الانتقام أو الحرمان؟ الصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة ضمنية في استمرار الانتهاك.
العمل الخيري ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب النزاهة والشفافية والمساءلة. وأي انحراف عن هذه القيم يُسقط عن المؤسسات صفتها الإنسانية، ويحوّلها إلى كيانات فاقدة للمشروعية الأخلاقية.
إن حماية الأيتام والأرامل ليست خيارًا، بل واجب. ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلالهم يجب أن تكون أولوية لا تقبل التأجيل. فالمجتمع الذي يسمح بسرقة أموال أضعف فئاته، يفقد شيئًا من إنسانيته مع كل انتهاك يمر دون عقاب.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة:
سرقة أموال الأيتام ليست مجرد مخالفة… إنها جريمة مكتملة الأركان.