في جريمة جديدة تضاف إلى السجل الأسود للفوضى والانفلات، ارتُكبت قبل قليل واحدة من أبشع صور البلطجة المسلحة في قلب مدينة غزة، حين هاجمت مجموعة تُقدّر بنحو خمسين عنصرًا ملثمًا يتبعون لحركة حماس وكتائب القسام مبنى سكنيًا مكوّنًا من أربعة طوابق يعود لعائلة الوحيدي في منطقة مربع الريس بالرمال الجنوبي، في مشهد لا يمتّ لا إلى الدين ولا إلى الأخلاق ولا إلى القانون بأي صلة، بل يعكس بوضوح حجم الانحدار الذي وصلت إليه منظومة السلاح المنفلت حين يُوجَّه إلى صدور المدنيين بدل أن يُرفع في وجه الاحتلال.
ما جرى ليس “خلافًا عائليًا”، وليس “إشكالًا عابرًا”، وليس “سوء تفاهم” كما سيحاول البعض لاحقًا تسويقه وتلميعه وتغليفه ببيانات النفي الباهتة. ما جرى هو جريمة مكتملة الأركان، موصوفة قانونيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، بدأت باقتحام مبنى سكني مأهول بالعائلات، ومرّت بإرهاب النساء والأطفال، وانتهت بالاعتداء الوحشي على السكان وسرقة ممتلكاتهم تحت سمع السلاح وبصره.
أي منطق هذا الذي يسمح لعشرات المسلحين الملثمين باقتحام بيوت الناس بسبب شجار شخصي؟ وأي انحدار أخلاقي هذا الذي يجعل خلافًا بين أفراد يتحول إلى حملة عقاب جماعي تنفذها مجموعة مسلحة بحق عائلة كاملة؟ منذ متى أصبحت الفصائل أدوات انتقام عائلي؟ ومن الذي منح هؤلاء الحق في تحويل خلاف شخصي إلى غزوة مسلحة على منازل المدنيين؟
الوقائع كما يرويها شهود العيان صادمة بكل ما تعنيه الكلمة. عشرات المسلحين اقتحموا المبنى، داسوا حرمة البيوت، كسروا الأبواب، روّعوا النساء، أطلقوا النار بين أرجلهن، اعتدوا عليهن بالضرب والإهانة، وانهالوا على الأطفال بالعصي والهراوات، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه سقوط مدوٍّ لكل ما تبقى من أقنعة “الضبط” و”الالتزام” و”الانضباط”. لم يكتفِ المهاجمون بذلك، بل امتدت أيديهم إلى ممتلكات السكان، فتم الاعتداء على الرجال والشباب، وإصابة عدد منهم بجراح متوسطة نُقلوا على إثرها إلى المستشفى، كما سُرقت هواتف محمولة من داخل الشقق، في تأكيد واضح أن ما جرى لم يكن “تأديبًا” كما يزعم البعض، بل عدوانًا مسلحًا مكتمل الملامح، تختلط فيه البلطجة بالسرقة بالإرهاب المنظم.
الخطير في هذه الجريمة ليس فقط حجم العنف المستخدم، بل الرسالة التي تحملها. الرسالة واضحة وصريحة: من يملك السلاح يملك الحق، ومن يملك الغطاء التنظيمي يستطيع أن يقتحم، يضرب، يسرق، يهين، ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن. هذه ليست حالة انفلات فردي، بل تعبير صريح عن منطق القوة الغاشمة حين تتحول الفصائل من كيانات سياسية إلى أدوات ترهيب اجتماعي، ومن شعارات “المقاومة” إلى ممارسات العصابات.
حين يُستخدم السلاح لتصفية حسابات شخصية، تسقط كل الشعارات. وحين تُنتهك حرمة البيوت باسم النفوذ، تسقط كل ادعاءات الأخلاق. وحين تُضرب النساء ويُرعب الأطفال على أيدي رجال يدّعون الدفاع عن “الشرف” و”القيم”، فلا حديث بعد ذلك عن دين ولا مقاومة ولا مشروع وطني، بل عن عصابة مسلحة تضع قوتها في خدمة البلطجة لا في خدمة الناس.
إن اقتحام البيوت ليس مجرد تجاوز أمني، بل جريمة اجتماعية وأخلاقية ووطنية كبرى. فالمنازل في كل الأعراف خط أحمر، وحرمة النساء في كل الشرائع خط أحمر، وترويع الأطفال جريمة لا تسقط بالتبرير، والاعتداء على المدنيين وصمة عار لا يمحوها أي خطاب تعبوي. ما جرى في مربع الريس ليس حادثًا عابرًا، بل فضيحة مكتملة الأركان تكشف كيف يُدار المجتمع حين يُختطف القانون وتُستبدل العدالة بالسلاح.
الأخطر من الجريمة ذاتها هو الصمت الذي يليها. صمت المتواطئين. صمت المبررين. صمت أولئك الذين لا يجدون غضاضة في اقتحام البيوت إن كان الفاعل “من جماعتهم”. هؤلاء لا يدافعون عن أمن، بل يشرعنون الفوضى. لا يحمون مجتمعًا، بل يحمون شريعة الغاب. لأن الجريمة لا تصبح أقل قبحًا حين يرتكبها صاحب شعار، والبلطجة لا تصبح “موقفًا” حين يرتدي صاحبها قناعًا ويحمل بندقية.
ما حدث لعائلة الوحيدي ليس حادثة معزولة، بل جرس إنذار جديد يدق بعنف في وجه مجتمع يُراد له أن يعتاد الإهانة، وأن يصمت على كسر الأبواب، وأن يتعايش مع إذلال النساء، وأن يبرر ترويع الأطفال إذا كان الفاعل محسوبًا على “الجهة الأقوى”. وهذه هي الكارثة الحقيقية: ليس فقط في الجريمة، بل في محاولة تحويلها إلى أمر عادي.
لا كرامة لمجتمع تُكسر فيه أبواب البيوت على أيدي الملثمين.
لا كرامة لمجتمع تُهان فيه النساء تحت فوهة السلاح.
لا كرامة لمجتمع يُضرب فيه الأطفال بالعصي ثم يُطلب منه الصمت.
ولا كرامة لوطن يتحول فيه السلاح من وسيلة حماية إلى أداة إذلال داخلي.
ما جرى في الرمال الجنوبي ليس مجرد اعتداء على عائلة الوحيدي، بل اعتداء على ما تبقى من حرمة المجتمع وهيبة البيت وكرامة الإنسان. وهذه جريمة لا تُدان ببيان بارد، ولا تُغطّى بوساطة عشائرية، ولا تُدفن تحت عنوان “سوء تفاهم”. إنها جريمة تستوجب محاسبة علنية، ومساءلة مباشرة، وفضحًا كاملًا لكل من أمر وشارك ونفذ وغطّى وبرّر.
لأن السكوت هنا ليس حيادًا… بل شراكة.